الشمول المالي

الاقتصاد النقدي في تونس: أوراق نقدية قياسية وصكوك في تراجع

يتداول في تونس اليوم أكثر من 30 مليار دينار من الأوراق والقطع النقدية، وهو رقم قياسي. ويفسّر إصلاح الصكوك والاقتصاد غير المنظم وضعف نسبة امتلاك الحسابات البنكية تعثّر التوجه نحو مجتمع بلا نقد.

الاقتصاد النقدي في تونس: أوراق نقدية قياسية وصكوك في تراجع

أبرز النقاط

  • بلغت الأوراق والقطع النقدية المتداولة 30,04 مليار دينار يوم 21 أوت 2026، بارتفاع يقارب 16% في سنة واحدة، وفق بيانات البنك المركزي التونسي.
  • بعد دخول قانون الصكوك حيز التنفيذ في فيفري 2025، تراجع عدد الصكوك المقاصة بنسبة 67,5% سنة 2025، وانتقل جزء من هذا النشاط إلى النقد.
  • ألغى قانون المالية لسنة 2026 القاعدة التي كانت تعاقب على الدفع نقدًا لمبالغ تفوق 5 000 دينار في بيوع العقارات والأصول التجارية والعربات.
  • ينمو الدفع الرقمي بسرعة لكن انطلاقًا من قاعدة صغيرة: فقد بلغ مجموع عمليات الدفع عبر الهاتف الجوال 1 769 مليون دينار سنة 2025.
30 مليار دينار
أوراق وقطع نقدية متداولة يوم 21 أوت 2026 (+16% في سنة)
BCT via La Presse, 2026
-67,5%
عدد الصكوك المقاصة سنة 2025
BCT annual report 2025
35,2%
الحصة التقديرية للاقتصاد غير المنظم من الناتج المحلي الإجمالي، 2020
UNDP / ILO, 2022

يواصل الاقتصاد النقدي في تونس نموه في وقت يتجه فيه بقية العالم نحو الدفع الرقمي. فوفق بيانات البنك المركزي التونسي، تجاوزت الأوراق والقطع النقدية المتداولة 30 مليار دينار في أوت 2026، وهو أعلى مستوى على الإطلاق. وتتنوع الأسباب من إصلاح للصكوك أعاد المشترين إلى النقد، إلى قطاع غير منظم واسع وضعف نسبة امتلاك الحسابات البنكية.

نقد متداول في مستوى قياسي

ينشر البنك المركزي التونسي حجم النقد المتداول ضمن مؤشراته اليومية. ويبدو المنحى خلال العامين الماضيين حادًّا:

  • 22 مليار دينار في بداية ديسمبر 2024؛
  • 26,1 مليار دينار في بداية ديسمبر 2025، بارتفاع 18,2% في سنة واحدة؛
  • 29,7 مليار دينار يوم 26 ماي 2026، وهو رقم قياسي حينها وفق Le Courrier de l'Atlas؛
  • 30,04 مليار دينار يوم 21 أوت 2026، مقابل 25,9 مليار دينار قبل سنة، أي بزيادة تقارب 16%.

ويبلغ الطلب على النقد ذروته في رمضان والعيدين والصيف والعودة المدرسية. لكن هذا النمط الموسمي لا يفسّر لماذا تأتي كل ذروة أعلى من سابقتها. وقد أفادت Le Courrier de l'Atlas بأن بعض البنوك اضطرت إلى إعادة أوراق نقدية قديمة إلى التداول لتلبية الطلب.

إصلاح الصكوك أعاد المشترين إلى النقد

يُعدّ القانون عدد 41 لسنة 2024 المؤرخ في 2 أوت 2024، الذي أصلح نظام الصكوك، أكبر تغيير شهدته منظومة الدفع في تونس خلال السنوات الأخيرة. ودخلت أحكامه الرئيسية حيز التنفيذ يوم 2 فيفري 2025. وسعى القانون إلى إعادة الصك إلى وظيفته كوسيلة دفع فوري بدلًا من أداة ائتمان غير رسمية، فاستحدث نموذجًا جديدًا للصك، وسقوفًا لدفاتر الصكوك، ومنصة TuniChèque التي تتيح للمستفيد التحقق آنيًا من توفر الرصيد.

وكان الأثر فوريًا. فكما أورد موقع Al-Monitor في مارس 2025، توقف كثير من التجار عن قبول الصكوك، وفقدت الأسر التي كانت تشتري السلع بالتقسيط بواسطة صكوك مؤجلة هذا الخيار. ووفق التقرير السنوي للبنك المركزي التونسي لسنة 2025:

  • تراجع عدد الصكوك بنسبة 67,5% وقيمتها بنسبة 58,8%؛
  • ارتفع عدد الكمبيالات (lettres de change) بنسبة 161%، إذ بحثت المؤسسات عن أداة ائتمان بديلة؛
  • ارتفعت قيمة التحويلات بنسبة 42,3% لتبلغ 79,6 مليار دينار.

وهكذا انتقل جزء من النشاط الذي كان يمرّ عبر الصك إلى التحويلات والكمبيالات، وذهب جزء آخر إلى النقد.

الأوراق والقطع النقدية المتداولة في تونس (مليار دينار)

المصدر: بيانات البنك المركزي التونسي، كما أوردتها Webdo وLa Presse وLe Courrier de l'Atlas

عرض البيانات
البيانالقيمة
بداية ديسمبر 202422 مليار دينار
21 أوت 202525,9 مليار دينار
بداية ديسمبر 202526,1 مليار دينار
26 ماي 202629,7 مليار دينار
21 أوت 202630 مليار دينار

رفع قاعدة خاصة بالدفع نقدًا

منذ قانون المالية لسنة 2019، كان تسديد ثمن بيع عقار أو أصل تجاري أو عربة نقدًا بما يفوق 5 000 دينار يترتب عنه عواقب: إذ لا يمكن لعدول الإشهاد تحرير العقد، ويُمنع التسجيل، وتُطبَّق خطية بنسبة 20% من المبلغ المدفوع نقدًا. وقد ألغى الفصل 54 من قانون المالية لسنة 2026 هذا الحكم بداية من 1 جانفي 2026، بدعوى تبسيط الإجراءات الإدارية، وفق ما أوردته Managers. وأكدت الإدارة الجبائية أن قواعد أخرى متعلقة بالنقد لا تزال سارية.

وقد تعرّض هذا الإلغاء للانتقاد. ففي فيفري 2026، وصف الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي، في تدوينة على صفحته في فيسبوك نقلتها La Presse، قانون الصكوك وقواعد الفوترة الإلكترونية وإلغاء قاعدة الـ5 000 دينار بأنها سيئة التصميم وأنها الأسباب الرئيسية لطفرة النقد. كما ربط الخبير الجبائي محمد صالح العياري، في تصريح نقله موقع Tuniscope، بين هذا الإلغاء وتزايد استعمال النقد.

الاقتصاد غير المنظم وغير المتعاملين مع البنوك

النقد هو أيضًا العملة الطبيعية للنشاط غير المنظم. فقد قدّرت دراسة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة العمل الدولية نُشرت سنة 2022 أن مجمل الأنشطة غير المنظمة، بما فيها الفلاحة، مثّلت نحو 35,2% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2020، وأن التشغيل غير المنظم شمل 26,8% من العاملين، أي أكثر من 910 آلاف موطن شغل. وهذه الأرقام قديمة، لكن لا شيء يدل على أن القطاع غير المنظم تقلّص منذ ذلك الحين.

ولا يملك كثير من التونسيين ببساطة أي بديل. فقد قدّرت Le Courrier de l'Atlas أن ما بين 36% و40% فقط من البالغين يملكون حسابًا بنكيًا. ويتناول مقالنا حول الشمول المالي في تونس بيانات Findex للبنك الدولي بالتفصيل.

وتكاليف هذا الحجم الكبير من النقد معروفة:

  • تراجع إمكانية التتبع، ما يسهّل التهرب الجبائي والتهريب ويحجب النشاط الاقتصادي الحقيقي عن الإحصاءات؛
  • انخفاض الودائع البنكية، ما يقلّص السيولة التي يمكن للبنوك إقراضها للمؤسسات؛
  • تكاليف المناولة التي يتحملها التجار والبنوك والبنك المركزي، المضطر إلى طباعة وتوزيع مزيد من الأوراق النقدية.

التوجه نحو مجتمع بلا نقد: تقدّم انطلاقًا من قاعدة صغيرة

ينمو الدفع الرقمي بسرعة. فقد أحصى التقرير السنوي للبنك المركزي التونسي لسنة 2025:

  • 8,4 ملايين عملية دفع عبر الهاتف الجوال (+80,5%)، بقيمة 1 769 مليون دينار (+58,6%)، و469 ألف محفظة إلكترونية (+26,8%)؛
  • 1 375 مليون دينار من مدفوعات البطاقات عبر الإنترنت (+31%)؛
  • 164,9 مليون عملية دفع بالبطاقة (+8,9%)، بقيمة 29,5 مليار دينار.

وهي نسب نمو قوية، لكن الدفع عبر الهاتف الجوال يظل ضئيلًا مقارنة بـ30 مليار دينار من الأوراق والقطع النقدية. ونتناول مزوّدي المحافظ الإلكترونية ومؤسسات الدفع في دليلنا حول الدفع عبر الهاتف الجوال في تونس، والتجارة الإلكترونية، التي لا يزال الدفع عند الاستلام يهيمن عليها، في مقالنا حول الدفع في التجارة الإلكترونية.

ما الذي قد يدفع التونسيين إلى التخلي عن النقد؟

بالنسبة إلى مؤسسي شركات التكنولوجيا المالية، يتمثل درس إصلاح الصكوك في أن المستخدمين لا ينتقلون إلى الدفع الرقمي لمجرد أن أداة قديمة أصبحت أصعب استعمالًا، بل ينتقلون حين يكون البديل مريحًا بالقدر نفسه، ومقبولًا في كل مكان، وزهيد الكلفة. وعمليًا، يعني ذلك:

  • القبول: رموز QR والدفع بالمحفظة الإلكترونية في المحلات الصغيرة، لا في المساحات التجارية الكبرى وحدها؛
  • قابلية التشغيل البيني: تحويلات فورية بين البنوك والبريد التونسي والمحافظ الإلكترونية، وهو موضوع مقالنا حول الدفع الفوري؛
  • الائتمان: من شأن بديل رقمي للصك المؤجل، مثل خدمات "اشترِ الآن وادفع لاحقًا" أو منتجات التقسيط، أن يلبّي حاجة حقيقية خلّفها الإصلاح؛
  • الثقة والكلفة: رسوم منخفضة أو منعدمة على المدفوعات الصغيرة، وإجراءات انخراط بسيطة لمن لا يملكون حسابًا بنكيًا.

وإلى أن تكتمل هذه العناصر، تشير الأرقام اليومية للبنك المركزي التونسي إلى أن النقد سيحافظ على قبضته.

أسئلة شائعة

ما حجم النقد المتداول في تونس؟

وفق بيانات البنك المركزي التونسي، بلغت الأوراق والقطع النقدية المتداولة 30,04 مليار دينار يوم 21 أوت 2026، مقابل 25,9 مليار دينار قبل سنة. وقد سجّل هذا الرقم مستويات قياسية متتالية منذ 2025.

لماذا يتزايد النقد في تونس؟

يشير المحللون إلى عدة عوامل: قانون الصكوك لسنة 2024 الذي دفع كثيرًا من التجار إلى التوقف عن قبول الصكوك ابتداءً من فيفري 2025، وحجم القطاع غير المنظم، وضعف نسبة امتلاك الحسابات البنكية، والإنفاق الموسمي خلال الأعياد الدينية. كما يحمّل بعض الاقتصاديين المسؤولية لإلغاء القاعدة التي كانت تعاقب على الدفع نقدًا لمبالغ تفوق 5 000 دينار في بيوع العقارات والأصول التجارية والعربات، وهو إلغاء تقرّر سنة 2026.

هل يوجد سقف للدفع نقدًا في تونس؟

من 2019 إلى نهاية 2025، كان دفع أكثر من 5 000 دينار نقدًا مقابل عقار أو أصل تجاري أو عربة يمنع تسجيل العقد ويترتب عنه خطية بنسبة 20%. وقد ألغى الفصل 54 من قانون المالية لسنة 2026 هذه القاعدة بداية من 1 جانفي 2026. وتؤكد الإدارة الجبائية أن قواعد أخرى متعلقة بالنقد لا تزال سارية، لذا يُستحسن استشارة مختص قبل أي معاملة كبيرة.

المصادر

  1. Tunisie. 30 milliards de dinars en circulation, record historique : le règne du cash inquiète — Le Courrier de l'Atlas
  2. Tunisie : Près de 11 milliards de dinars grâce au tourisme et aux transferts des TRE — La Presse via AllAfrica
  3. Tunisie : revenus du travail et recettes touristiques en hausse — Webdo (BCT data)
  4. BCT : le chèque s'effondre en Tunisie, les virements et la lettre de change prennent le relais en 2025 — Webmanagercenter (TAP)
  5. Tunisie : la restriction sur le cash pour les transactions est levée — Managers
  6. L'économie informelle en Tunisie : définitions, analyse exploratoire et esquisse d'une stratégie intégrée — UNDP

هذا المقال لأغراض إعلامية فقط ولا يُعدّ استشارة قانونية أو مالية أو استثمارية. الأرقام مؤرخة وموثّقة المصادر؛ يُرجى الرجوع إلى أحدث المنشورات الرسمية قبل اتخاذ أي قرار.

اشترك في النشرة التونسية للتكنولوجيا المالية

مقالات وتحليلات جديدة حول المدفوعات والتشريعات والتمويل — بالعربية أو الفرنسية أو الإنجليزية. دون رسائل مزعجة.

شكرًا، تم تسجيلك!